كل المقالات

الشاشات وتأخر النطق: ما تقوله الأبحاث فعلاً

غنوة سالم، أخصائية نطق ولغةنُشر قراءة 7 دقائق

كل أسبوع تجلس أمّ في عيادتي في بيروت وتقول الجملة نفسها بصيغة أو بأخرى: «يشاهد يوتيوب كثيراً، وأظنّ أن هذا سبب تأخّره في الكلام». أحياناً تأتي الجملة مع شعور بالذنب، وأحياناً مع اتّهام من الجدّة يقف خلفها. السؤال يستحقّ جواباً صريحاً، والجواب الصادق أنفع من الطمأنة ومن التخويف اللذين سمعتِهما على الأرجح من قبل.

الخلاصة أولاً: الشاشات لا تسبّب تأخّر النطق كما يسبّب الفيروس العدوى. لكن الاستخدام الكثيف للشاشات في السنوات الثلاث الأولى مرتبط باستمرار بلغة أضعف، والآلية وراء هذا الارتباط مفهومة جيداً. المسألة كلها في ما تحلّ الشاشة محلّه.

ما الذي تُظهره الأبحاث فعلاً

أكبر مراجعة حتى اليوم تحليل تجميعي نُشر عام 2020 في مجلة JAMA Pediatrics، جمع 42 دراسة شملت نحو 19,000 طفل، ووجد أنه كلما زاد الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، انخفضت درجاتهم اللغوية. ووجد العكس في أمرين: المحتوى الجيّد المناسب للعمر، ومشاهدة الأهل مع الطفل والحديث معه عمّا يراه، وكلاهما ارتبط بلغة أقوى. الكمّية تضرّ. النوعية والمرافقة تنفعان.

ودراسة يابانية نُشرت عام 2023 تابعت أكثر من 7,000 طفل، ووجدت أن من قضوا 4 ساعات أو أكثر يومياً أمام الشاشات في عمر السنة كانوا أكثر عرضة لإظهار تأخّر في التواصل في عمر السنتين والأربع سنوات. والنمط كان متدرّجاً مع الجرعة: ساعات أكثر، خطر أكبر.

تحفّظان. هذه ارتباطات، لا إثبات للسبب. العائلات الأكثر إرهاقاً تستخدم الشاشات أكثر، والطفل الذي يتكلم قليلاً يُعطى الجهاز اللوحي أكثر، فبعض السهم قد يتّجه في الاتجاه المعاكس. والأثر صغير في المتوسّط. طفل في السنتين يشاهد ساعة من الرسوم المتحرّكة يومياً لا يتضرّر. هذه النتائج تصف ميلاً عبر آلاف الأطفال، لا حكماً على طفلك.

لماذا توجد العلاقة: ما تحلّ الشاشة محلّه

اللغة تُكتسب في الحوار. قبل أن يقول طفلك كلمة واحدة، يكون يتعلّم من دورة الإشارة والتسمية، ومن المناغاة والردّ عليها، ومن سماع كلمة «كرة» وهو يمسك الكرة. عدد هذه التبادلات ذهاباً وإياباً في اليوم يتنبّأ بمفردات الطفل أفضل ممّا يتنبّأ به عدد الكلمات التي يسمعها عرضاً.

الشاشة تُزيل نصفي هذه الدورة معاً. دراسة سجّلت بيوتاً كاملة وجدت أنه مقابل كل ساعة يكون فيها التلفزيون مسموعاً، ولو في الخلفية، يقول الكبار للطفل بضع مئات من الكلمات أقلّ، ويُصدر الطفل أصواتاً أقلّ في المقابل. الطفل لم يكن يشاهد. الكبار كانوا يشاهدون، أو نصف يشاهدون، والحوار خفّ.

السبب الثاني أن الأطفال الصغار جداً يتعلّمون اللغة من الشاشة بصعوبة حتى حين يشاهدون بانتباه. الطفل دون السنتين تقريباً يتعلّم الكلمات الجديدة من شخص حيّ أسهل بكثير ممّا يتعلّمها من الشخص نفسه في فيديو، ويسمّي الباحثون ذلك «عجز الفيديو». في تجربة معروفة، عُرّض رضّع أميركيون في الشهر التاسع للغة الصينية. من سمعوها من شخص في الغرفة تعلّموا تمييز أصواتها. ومن سمعوا الجلسات نفسها مسجّلة بالفيديو أو بالصوت لم يتعلّموا شيئاً. الوجه، والتواصل البصري، وكون المتكلّم يستجيب للطفل، هي ما صنع الفارق.

لذلك فإن الفيديو «التعليمي» الذي يسمّي الألوان والحيوانات لطفل في الشهر الرابع عشر ضجيج في معظمه بالنسبة له، مهما بدا هادئاً وهو يشاهد. الكلمات نفسها منكِ، على الأرض، واللعبة في اليد، درس في اللغة.

ما تقوله الإرشادات، وما لا تقوله

توصي منظمة الصحة العالمية بألّا يتعرّض الطفل دون السنتين للشاشات إطلاقاً، وبألّا يتجاوز الوقت ساعة يومياً بين السنتين والأربع سنوات، والأقلّ أفضل. والأكاديمية الأميركية لطب الأطفال ترسم خطوطاً مشابهة: تجنّب الشاشات قبل 18 شهراً باستثناء مكالمات الفيديو، والاكتفاء بمحتوى عالي الجودة بين 18 و24 شهراً مع مشاهدته معاً، وحوالى ساعة يومياً من المحتوى المشترك بين السنتين والخمس سنوات.

أمران لا تقولهما هذه الإرشادات: أن الطفل الذي يتجاوزها سيتأخّر، أو أن الطفل الملتزم بها في مأمن من التأخّر. وقت الشاشة عامل واحد بين عوامل كثيرة، والطفل الذي لديه اضطراب لغوي حقيقي سيكون لديه سواء وُجد جهاز لوحي في البيت أم لا.

ما لا تفسّره الشاشات

فقدان كلمات أو مهارات كان الطفل يمتلكها، في أي عمر، ليس أبداً أثراً من آثار الشاشات. وهو يستدعي التقييم الآن، لا بعد شهر بلا شاشات. وينطبق الأمر نفسه على الطفل الذي لا يشير، ولا يلوّح، ولا يستجيب لاسمه، ولا يحاول التواصل بأي وسيلة. إذا كنتِ تنسبين هذه العلامات إلى الجهاز اللوحي، فاحجزي تقييماً قبل أن تنسبيها إلى أي شيء.

النمط اللبناني: إنكليزية من يوتيوب، وعربية من لا أحد

ثمّة صورة من هذه المسألة خاصة بعائلاتنا هنا وفي الغربة. طفل في السنتين أو الثلاث في بيت عربي يبدأ بإنتاج الإنكليزية: العدّ، الألوان، عبارات من الرسوم المتحرّكة، وأحياناً بلكنة أميركية سليمة. الأهل بين الفخر والقلق، والقلق غالباً في محلّه، لكن لسبب غير الذي يظنّونه.

ما يحدث عادةً أن الإنكليزية وصلت عبر شاشة، والعربية وصلت عبر أشخاص، والشاشة أخذت ساعات أكثر. إنكليزية الطفل غالباً مجموعة عبارات محفوظة منقولة كما هي من الفيديوهات، لا جملاً يبنيها بنفسه، وعربيته، لغة الناس الذين يحبّونه، ضعيفة. هذه ليست ثنائية لغة تعمل كما ينبغي، بل تعرّض مختلّ التوازن. ثنائية اللغة بذاتها لا تسبّب تأخّراً، لكن اللغة المكتسبة من شاشة في معظمها ليست لغة كاملة بعد.

الاختبار الذي أستخدمه هو المرونة. هل يستطيع الطفل أن يستخدم كلماته ليطلب شيئاً جديداً، أو يعلّق على شيء رآه، أو يجيب عن سؤال لم يُهيَّأ له؟ طفل يعدّ حتى العشرين بالإنكليزية ولا يستطيع أن يقول إنه جائع بأي لغة يحتاج إلى نظرة. والنظرة يجب أن تحسب الكلمات عبر كل اللغات التي يسمعها، لا لغة واحدة.

ما الذي تفعلينه فعلاً

ليس المنع. خفض الشاشات إلى الصفر في بيت يقوم عليها يصمد أسبوعاً في العادة، والأدلّة لا تطلب ذلك. ما تطلبه هو حماية الحوار.

  • أطفئي التلفزيون في الخلفية. هو أكبر مصدر لخسارة الحوار وأقلّها ملاحظة، والطفل لا يشاهده أصلاً.
  • أبعدي الشاشات عن الوجبات وعن الساعة التي تسبق النوم. الوجبات أثبت حوار يومي في حياة العائلة.
  • شاهدي مع طفلك وتحدّثي عمّا تريان، بالعربية إن كانت هي اللغة التي تحتاج إلى الساعات. «انظر، القطة اختبأت. أين ذهبت؟» تحوّل الفيديو إلى تبادل.
  • اختاري المحتوى البطيء الذي له شكل قصة بدل المحتوى السريع اللامع الذي يشتغل تلقائياً. التشغيل التلقائي وُجد كي لا ينتهي الفيديو، وكل نهاية لحظة كان طفلك سيلتفت فيها إليكِ.
  • دون السنتين، فضّلي مكالمات الفيديو على الفيديوهات. الجدّة في مكالمة تستجيب للطفل شخص لا شاشة، والإرشادات تعاملها على هذا الأساس.
  • حين تسحبين شاشة، ضعي شخصاً مكانها. المكسب ليس من غياب الجهاز، بل من ربع الساعة على الأرض الذي يحلّ محلّه. وقد جمعتُ ما ينفع فعلاً في تحفيز النطق في مقال مستقلّ.

هدف أول واقعي

اختاري فترة واحدة في اليوم يقضيها طفلك الآن أمام شاشة، واستبدليها بعشر إلى خمس عشرة دقيقة من اللعب تتبعين فيها ما يفعله وتسمّينه. فترة واحدة، كل يوم، لمدّة شهر. هذا تغيير تستطيع العائلة الحفاظ عليه، وهو النوع الذي تكافئه الأبحاث.

متى أستشير أخصائية نطق ولغة؟

إذا قلّلتِ الشاشات وصار طفلك يتكلم أكثر بشكل ملحوظ خلال أسابيع قليلة، فقد حصلتِ على جوابك، ولا حاجة إلى علاج. المعالم التي تهمّ لا تتغيّر مع استخدام الشاشات. جدول مراحل النطق حسب العمر ينطبق، وكذلك علاماته الحمراء: لا كلمات عند 16 شهراً، أقلّ من 50 كلمة أو لا جمل من كلمتين عند 24 شهراً، كلام لا تفهمينه في معظم الوقت بعد الثالثة، أو فقدان أي مهارة في أي عمر. هذه تستدعي التقييم مهما كانت عادات الشاشة.

وإذا كانت عادة الشاشة تمنحك تفسيراً لم تريدي أن تشكّكي فيه، فهذا يستحقّ الانتباه. «كلّه من الآيباد» هي نسخة 2026 من «سيتكلم حين يحين وقته». أحياناً تكون صحيحة. والتقييم الذي لا يجد شيئاً نتيجة جيدة، والذي يجد شيئاً مبكراً أفضل من النتيجة نفسها بعد سنة. وإذا كان طفلك في السنتين تحديداً، فقد كتبتُ عن متى يستدعي غياب الكلام عند السنتين القلق. وللعائلات في الخارج، التقييم نفسه يتم أونلاين باللهجة اللبنانية.

قلقة من أن الشاشات وراء تأخّر كلام طفلك؟ أرسلي عمره، واللغات التي يسمعها، وكيف يمرّ يومه تقريباً، وسأقول لكِ بصراحة إن كان التقييم هو الخطوة التالية أم أن بضعة تغييرات في البيت تكفي.

تواصلي معنا

أسئلة متكرّرة

هي علامة على أين تذهب الساعات، لا مشكلة بحدّ ذاتها. تحقّقي من أمرين: هل إنكليزيته مرنة، أي يستطيع أن يطلب بها ويعلّق ويجيب لا أن يردّد عبارات من الفيديوهات فقط، وهل لغة البيت عنده تنمو أصلاً. إذا كانت لغة متوقّفة والأخرى نصوصاً محفوظة، فاحجزي تقييماً. وإذا كانت اللغتان تتقدّمان، فلديك طفل ثنائي اللغة يحتاج توازنه إلى تعديل، لا اضطراباً.

ليس قبل السنتين تقريباً. الأطفال في هذا العمر يتعلّمون الكلمات من الأشخاص لا من الشاشات، مهما كانت التسمية تعليمية. من حوالى السنتين، البرامج الجيّدة البطيئة الإيقاع التي تُشاهَد مع أحد الوالدين ويتحدّث عنها ترتبط بلغة أفضل قليلاً. التطبيق ليس أبداً العنصر المهمّ. الكبير الذي يتحدّث عنه هو المهمّ.

ليس بالمعنى الذي يهمّ. الجدّ أو الجدّة في مكالمة يستجيب لطفلك، وينتظره، ويتفاعل مع ما يفعله، شريك حوار حيّ، وإرشادات طب الأطفال تستثني مكالمات الفيديو لهذا السبب. وبالنسبة لعائلات الغربة، هي أيضاً من المصادر القليلة التي يسمع منها الطفل العربية من شخص غير والديه.

لا أحد يستطيع أن يعدك بذلك. إذا كانت لغة طفلك تنقصها المحادثة فحسب، فالحديث الأكثر يُظهر نتائج خلال أسابيع في العادة. أمّا إذا كان هناك اضطراب لغوي كامن، فإزالة الشاشات تساعد لكنها لا تعالجه، وانتظار التغيير قبل حجز التقييم يكلّف وقتاً. قلّلي الشاشات واحجزي التقييم. الأمران ليسا بديلين.

تقترح منظمة الصحة العالمية ما لا يزيد عن ساعة يومياً في عمر السنتين، والأقلّ أفضل حيثما أمكن، ولا شيء إطلاقاً قبل السنتين. اعتبري ذلك سقفاً لا هدفاً. أمّا 4 ساعات أو أكثر يومياً في حوالى عمر السنة، فهو المستوى الذي تربطه الدراسات بأوضح شكل بتأخّر التواصل لاحقاً.
الخدماتاقرأي أيضاًمتى يتكلم الطفل؟ جدول مراحل النطق حسب العمر

قلقة بشأن نطق طفلك؟

التقييم الذي لا يجد مشكلة يبقى أوضح إجابة يمكن أن تحصلي عليها. أرسلي رسالة ولنتحدّث — من دون أي التزام.

احجزي استشارة

سؤال سريع عن ملفات تعريف الارتباط

نستخدم Google Analytics لنعرف أي الصفحات تفيد العائلات فعلاً. القياس مجهول الهوية، ويُستخدَم فقط لتحسين هذا الموقع، ولا يُربَط إطلاقاً بأي شيء تخبريننا به عن طفلك. ولا إعلانات على الإطلاق. اقرأي سياسة الخصوصية