متى ينطق الطفل أول كلمة؟ من المناغاة إلى «بابا» و«ماما»
ينطق معظم الأطفال كلمتهم الأولى بين 10 و14 شهراً. بعضهم يقولها في الشهر التاسع، وبعضهم ينتظر إلى الخامس عشر أو أبعد قليلاً، وكلهم ضمن الطبيعي. أما «بابا» و«ماما» فتسمعينهما غالباً قبل ذلك، حول الشهر السابع أو الثامن، لكن ليس ككلمتين بعد، بل كمناغاة. الفرق بين الاثنين هو ما يشرحه هذا المقال.
السؤال الحقيقي خلف «متى ينطق الطفل؟» ليس تاريخاً. هو غالباً «ابن أختي قال ماما في الشهر السابع، وابني في العاشر ولم يقل شيئاً، فهل تأخّر؟». والجواب: على الأرجح لا، وابن أختك على الأرجح كان يناغي. ما يهمّ في السنة الأولى ليس الكلمة، بل ما يأتي قبلها وما يحيط بها.
المناغاة تأتي قبل الكلمة
الكلام لا يبدأ بالكلمة الأولى، بل بأشهر من التدريب. في الأسابيع الأولى يهدأ الرضيع لصوتك، وبين الشهر الثاني والثالث يبدأ الهديل: أصوات ليّنة مثل «آآ» و«أوو». حول الشهر الرابع يضحك بصوت، ويلعب بفمه فيصدر أصواتاً ونفخاً ورشقاً بالشفتين. هذا كله ليس كلاماً، لكنه ليس عبثاً أيضاً: طفلك يكتشف ما يستطيع فمه أن يفعله.
المرحلة التي تنتظرها كل أم تأتي بين الشهر السادس والعاشر، وعند معظم الأطفال حول السابع أو الثامن: المناغاة المتكرّرة، «بابابا» و«ماماما» و«دادادا». مقطع واضح فيه حرف ساكن وحركة، يتكرّر. هذه المرحلة مهمّة إلى درجة أن غيابها عند الشهر العاشر سبب كافٍ وحده لفحص السمع، لأن الطفل يناغي بما يسمعه. ثم، بين الشهر التاسع والثاني عشر، تتنوّع المقاطع «بادا»، «ماتي»، وتأخذ نغمة الجمل، فيبدو أنه يحدّثك بلغة لا تفهمينها. وهو يفعل.
لماذا يقول الطفل «بابا» قبل «ماما»؟
لأن الباء والميم والدال من أسهل الأصوات على فم الرضيع: تُنطق بالشفتين، من دون حركة دقيقة للسان. ولهذا تظهر «بابابا» و«ماماما» و«دادادا» في المناغاة قبل أي كلمة، ومن دون أن تعني أحداً. ما يحدث بعدها أن الأهل يسمعون «بابا» في لعب الطفل ويفرحون ويكرّرونها، فيتعلّم الطفل أن هذا الصوت يُحدث شيئاً، ويبدأ يستخدمه قصداً. «ماما» تأتي كثيراً في لحظات مختلفة: حين يتضايق الطفل أو يريد شيئاً، فتُسمع أقلّ كـ«لعب» وأكثر كطلب.
الترتيب إذاً مسألة أصوات وصدفة، لا مسألة تعلّق. الطفل الذي يقول «بابا» أولاً لا يحبّ أباه أكثر، والطفل الذي يقول «ماما» أولاً لا يخبرك شيئاً عن علاقته بأبيه. وعند الشهر الثاني عشر يستخدم معظم الأطفال الكلمتين معاً بمعناهما الصحيح، أي ينادون الشخص المقصود لا أي شخص. وفي بيوتنا يسمع الطفل «بابا» و«ماما» موجّهتين إليه أيضاً، «تعا يا بابا»، «حبيبي يا ماما»، فلا تستغربي إن نادى نفسه بها فترة.
ما الذي يُحسب كلمة أولى؟
الكلمة عند أخصائية النطق ليست نطقاً سليماً، بل قصداً ثابتاً: صوت يستخدمه الطفل بنفسه، للمعنى نفسه، في أكثر من مناسبة، من دون أن تقوليه أنتِ قبله. «مي» للماء كلمة. «بح» حين يختفي شيء كلمة. «هاو» للكلب كلمة، وأصوات الحيوانات تُحسب. «باي» مع التلويح كلمة، و«تيتا» كلمة حتى لو خرجت «تيتي». لا يهمّ أن تكون الكلمة كاملة أو مفهومة لغريب، يهمّ أن تكون مقصودة.
أمّا «بابابا» وهو يضرب اللعبة على الطاولة فليست كلمة بعد، وأمّا إعادته «ماما» بعد أن قلتِها له مباشرة فهي تقليد، وهو مهارة جميلة، لكنه ليس كلمة. الاختبار البسيط: هل يستخدمها ليطلب أو ليُخبر، وحده، ومن دون تلقين؟ حين يفعل ذلك مع صوت واحد، فقد قال كلمته الأولى، أيّاً كان شكلها.
الأعمار الطبيعية من الشهر السادس إلى السنتين
| العمر | ما يفعله معظم الأطفال | ما يستحقّ السؤال عنه |
|---|---|---|
| 6 – 10 أشهر | مناغاة متكرّرة «بابابا»، يلتفت لاسمه، يلعب بالأصوات، يضحك ويصرخ فرحاً | لا مناغاة عند 10 أشهر، أو لا يلتفت للأصوات ولاسمه |
| 9 – 12 شهراً | مقاطع متنوّعة بنغمة كلام، يشير بإصبعه، يلوّح، يفهم «لا» واسمه، وعند بعضهم كلمة أولى | لا إشارة ولا تلويح ولا مناغاة عند 12 شهراً |
| 12 – 15 شهراً | كلمة أولى عند معظم الأطفال، ينفّذ طلباً بسيطاً مع إشارة، يقلّد أصواتاً وحركات | لا يفهم شيئاً ممّا يُقال له، ولا يحاول التواصل بأي وسيلة |
| 15 – 18 شهراً | من 5 إلى 20 كلمة أو تقريب لها، يشير ليُريكِ شيئاً لا ليطلبه فقط، يفهم أكثر بكثير ممّا يقول | لا كلمات على الإطلاق عند 16 إلى 18 شهراً |
| 18 – 24 شهراً | المفردات تتسارع، 50 كلمة أو أكثر قرب السنتين، وأول جملة من كلمتين «بدّي مي» | أقلّ من 50 كلمة أو لا جمل من كلمتين عند 24 شهراً |
الفهم والإشارة يسبقان الكلمة
قبل أن يقول طفلك كلمة واحدة يكون قد فهم عشرات. يلتفت لاسمه حول الشهر السابع إلى التاسع، ويفهم «لا» و«أعطيني» و«وين بابا؟» قبل السنة، وينفّذ «هات الطابة» مع إشارتك حول الشهر الثاني عشر. والإشارة بالإصبع عند السنة من أقوى المؤشّرات على أن اللغة تتطوّر كما يجب، خصوصاً حين يشير ليُريكِ شيئاً يعجبه، لا ليطلبه فقط. الطفل الذي يفهم ويشير ولم يتكلّم بعد يبني اللغة، حتى لو لم ينطقها.
ولهذا فإن سؤال «كم كلمة يقول؟» وحده مضلّل في هذا العمر. الطفل الذي لا يقول كلمة عند 14 شهراً لكنه يفهم ويشير ويناغي ويقلّد، في موقع مختلف تماماً عن الطفل الصامت الذي لا يفعل أيّاً من ذلك، حتى لو تساوى عدد كلماتهما بصفر.
إذا كان البيت يسمع لغتين أو ثلاثاً
الطفل في بيت لبناني يسمع العربية مع الفرنسية أو الإنكليزية يناغي في الوقت نفسه ويقول كلمته الأولى في الوقت نفسه، وقد تكون بأي من لغاته. ثنائية اللغة لا تؤخّر الكلمة الأولى. ما يتغيّر هو طريقة العدّ فقط: «مي» و«water» كلمتان تُحسبان معاً، ولا يصحّ الحكم على مفردات الطفل من لغة واحدة.
ما الذي يساعد فعلاً في السنة الأولى
- ردّي على المناغاة كأنها حديث. يقول «بابا»، تقولين «بابا؟ بابا بالشغل!» وتنتظرين. هذا التبادل، لا كمية الكلام، هو ما يبني اللغة.
- قلّدي أصواته هو، ثم أضيفي صوتاً جديداً. الطفل يقلّد من يقلّده.
- سمّي ما ينظر إليه لا ما تريدين أن ينظر إليه، بكلمات قصيرة وواضحة، وجهاً لوجه حتى يرى فمك.
- غنّي واقرئي له، ولو كان يعضّ الكتاب. النغمة والتكرار يعلّمان الإيقاع قبل الكلمات.
- أطفئي التلفزيون في الخلفية. الكلام الذي يأتي من شاشة لا يردّ عليه، وما تقوله الأبحاث عن الشاشات في هذا العمر واضح.
- لا بطاقات ولا تطبيقات ولا تلقين. ما ينفع في تحفيز الكلام هو أنتِ.
متى يستحقّ الأمر انتباهاً قبل السنة والنصف؟
القائمة قصيرة، وأولها فحص السمع. الطفل الذي اجتاز فحص السمع عند الولادة قد يفقد جزءاً من سمعه لاحقاً بسبب سائل خلف طبلة الأذن بعد التهابات متكرّرة، فيسمع الأصوات العالية ولا يسمع الكلام بوضوح. لا يمكن استبعاد ذلك من دون فحص، وهو الفحص الذي لا يجوز تخطّيه.
- لا مناغاة متكرّرة «بابابا» عند 10 أشهر
- لا يلتفت لاسمه ولا للأصوات من حوله عند 9 إلى 12 شهراً
- لا إشارة ولا تلويح ولا محاولة تواصل عند 12 شهراً
- لا كلمات على الإطلاق عند 16 إلى 18 شهراً
- قلقك أنتِ، في أي عمر ومهما بدا السبب صغيراً
علامة واحدة لا تنتظرين معها
الطفل الذي كان يناغي ثم سكت، أو قال كلمات ثم فقدها، أو كان يلوّح وينظر في عينيك ثم توقّف. التراجع في المهارات ليس تأخّراً، وهو الحالة الوحيدة التي لا يُنصح فيها بالانتظار والمراقبة، بل بالتقييم فوراً وفي أي عمر.
وإذا بلغ السنة والنصف ولم يقل كلمة؟
إذا كان يناغي ويفهم ويشير ويقلّد، فالأرجح أنه من المتأخّرين في الكلمات وحدها، وهؤلاء يلحق معظمهم. لكن «الأرجح» ليس «بالتأكيد»، ولهذا لا أقول انتظري وحسب، بل: فحص سمع، وقائمة بما يقوله وما يفهمه، وحديث قصير معي عبر واتساب لنقرّر إن كان التقييم منطقياً الآن. الحديث مجاني ولا يلزمك بشيء، وكثيراً ما ينتهي بأن أقول: راقبيه وعودي إليّ بعد ثلاثة أشهر إن لم يضف كلمات.
وإذا كان لا يفهم ولا يشير ولا يناغي، فالتقييم الآن لا بعد ستة أشهر. الفارق بين البدء في السنة والنصف والبدء في الثالثة كبير. ولمعرفة ما يأتي بعد الكلمة الأولى، من الخمسين كلمة إلى الجمل، اقرئي جدول مراحل النطق حسب العمر، وإن كان طفلك قد بلغ السنتين ولم يتكلّم، فذلك مقال مستقلّ.
لستِ متأكدة إن كان ما تسمعينه مناغاة أم كلمات، أو إن كان صمته طبيعياً؟ أرسلي عمره بالأشهر وما يفعله وما يقوله، وستحصلين على رأي مهني قبل أي خطوة. وإذا كنتِ خارج لبنان، في السعودية أو الإمارات أو أي بلد آخر، فالحديث نفسه يتمّ أونلاين بالعربية من بيتك.
تواصلي معناأسئلة متكرّرة
قلقة بشأن نطق طفلك؟
التقييم الذي لا يجد مشكلة يبقى أوضح إجابة يمكن أن تحصلي عليها. أرسلي رسالة ولنتحدّث — من دون أي التزام.
احجزي استشارة